
مشاركة تدريسي من قسم آداب اللغة العربية في مؤتمر دولي
22/10/2025
مع الذكاء الاصطناعي
29/10/2025سأقدِّم إجابتي في مقدمة ومتن وخاتمة.
في المقدمة أتجاوز تعريف المنهج بأنه مجموعة خطوات لتحقيق هدف، وأتجاوز علاقة النقد العربي الحديث بالمناهج الغربية الحديثة، وتصنيف د. صلاح فضل هذه العلاقة على ثلاثة أجيال: الجيل الأول: جيل الأساتذة، والثاني: نقاد الأدب، والثالث: نقاد الحداثة، كما جاء في كتابه “مناهج النقد المعاصر ومصطلحاته، دار ميريث، القاهرة، 2002” ص 178 – 202. وكان د. سيد البحراوي يبحث عن المنهج، فعنون كتابه بـ [البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث، دار شرقيات، القاهرة، 1993]، وكذلك د. صالح هويدي، وقد قسم مناهج النقد الحديث على مناهج خارجية، مثل المنهج التاريخ والنفسي والاجتماعي ومناهج محايثة أي داخلية، مثل الاتجاه الشكلاني والنقد الجديد، والمنهج البنيوي، ومنهج التفكيك. [مناهج النقد الأدبي، أسئلة ومقاربات، دار نينوى، دمشق، 2015] ص69 -132.
وكذلك مبحث “التفاعل العربي مع النقد الغربي المعاصر” في [دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3، 2002] ص363 – 405. وغير هذه الأمثلة كثير يدلُّ على تاريخ جديد للنقد العربين ونحن نواصل حلقة من حلقاته.
أما المتنُ، فهو شهادتي في موضوع “سؤال المنهج” في النقد الأدبي، والمنهجُ سؤالٌ من حيث ضرورة قيام التحليل النقدي على منهج، أو إجراءات محددة، يقوم بها الناقد للوصول إلى نتيجة، أو تحقيق هدف، فما الذي تجنيه دراساتنا من متابعة المناهج الغربية؟. هذا ما نتناوله في المتن.
عن البلاغة العربية والأسلوبية
قامت رسالة الدكتوراه على دراسة الأسلوب من الأعجاز البلاغي مستفيدةً من التراث العربي الإسلامي في رصد مفارقة أسلوب القرآن الكريم لأساليب البشر في الشعر والنثر، موظفةً كثيراً من الأفكار والمفاهيم في تجلية الخصائص التي امتاز بها أسلوب القرآن الكريم وتفرد بها، سالكاً المنهج الأسلوبي الحديث في ذلك.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أننا راعينا خصوصية البحث في القران الكريم من حيث هو كلام متكلم لا كالمتكلمين، فلم نتعرض لهذا، إلى المنشئ واقتصرنا على النص ومتلقيه.
ثم إن قراءة موضوعات البلاغة العربية، ولا سيّما بلاغة القرآن الكريم، بفهم أسلوبي معاصر، لا تعني إسقاط مفاهيم حديثة على وقائع قديمة، بقدر ما تعني إعادة درس القديم وتنمية جوانبه الملائمة للدراسة المعاصرة، وفي هذا استثمار وتطوير وتقدم على طريق البحث الذي يأخذ من القديم كما يأخذ من الحديث، وبهذا يتجدد البحث ويتناسب مع ميدان متجدد أصلاً، ونعني بهذا مرونة الإعجاز البلاغي واحتماله للأفكار الأصلية. [الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم: 12. ليبيا صدر سنة 1997، وطبعة أخرى سنة 2008، وصدرت له ترجمة فارسية، طهران، سنة 1384 شمسي، ثم صدر كتاب علم الأسلوب، مفاهيم وتطبيقات، سنة 1997 عن جامعة واعتمُد منهجاً في الجامعات].
علوم القرآن والشفاهية والكتابية
درست الإنثروبولوجيا المجتمعاتِ البدائيةَ، وحللت العلاقة بين طريقة اكتساب المعرفة ونمطية التفكير فيها، وهي تقارن بتلك المجتمعات المجتمعَ الحديث الذي امتلك وسائل أخرى غير المشافهة لاكتساب معارفه، ومن ثم لنشوء نمطية من التفكير، تختلف عما هي عليه عند البدائيين، ومن هنا ظهرت أبحاث تختص بدراسة أنماط التفكير في المجتمعات المختلفة، وتحاول الوصول إلى توصيف العقل تبعاً لمخرجات ثقافته،فصنفته على صنفين : عقل شفاهي، وعقل كتابي، الأول يعتمد في معرفته على السمع، والثاني يعتمد على البصر، وعلى مراعاة الفروق بين السمعي والبصري، أو الشفاهي والمكتوب قامت بعض أساسيات النظرية الشفاهية، فضلاً عن دراسة المعرفة المكتسبة بالسمع، والمعرفة المكتسبة بالنظر، يقول أونج، وهو أحد المشتغلين بهذه النظرية: لقد كان السمع، وليس النظر، هو المهيمن على العالم الفكري القديم، بطرق لها دلالتها، واستمر ذلك وقتاً طويلاً، حتى بعد أن تم استيعاب الكتابة استيعاباً عميقاً.
إن للكلام الشفاهي آلياتٍ، يعمل من خلالها، أوضحها حضور المتكلم وحضور السامع سويةً، وهو (الكلام الشفاهي) يتشكل من خلال قابلية الصوت والنطق والأداء على التأثير المباشر في السامع كما أن للكلمة المنطوقة قوة خاصة ليست للكلمة المكتوبة تتجلى في استحواذها على إحساس السامع وإثارتها دلالات خاصة ليست هي الدلالات المعهودة من مدلولاتها إنما هي من قوة الصوت وهو يعبـِّر ويرمز ويشير، كما أن الكلمة المنطوقة بعبارة أونج لها حضور وحياة وسط كل العوالم الرائعة التي تتيحها الكتابة؛ وذلك لأن كل النصوص المكتوبة مضطرة إلى الارتباط بعالم الصوت الموطن الطبيعي للغة.
في توظيف هذه الأفكار، حاول البحث مقاربة الجانب الشفاهي من الظاهرة القرآنية، حيث كانت الشفاهية سمةَ الثقافة التي ظهر فيها القرآن، فشكل منها مستوياتٍ ثقافية اجتماعية، ما زالت الى الزمن الحاضر محضناً لأفكار، وتوجهات فاعلة مؤثرة في آليات التفكير وفي منتجاته. [كلام الله، الجانب الشفاهي من الظاهرة القرآنية، دار الساقي لندن، 2003].
من أساطير الأولين إلى قصص الأنبياء
تخلصت الدراسات الحديثة من عبء آيديولوجي كان يثقل الموروث العربي الإسلامي، عندما فصلت بين (الأسطورة) و(الخرافة)، الأسطورة، الآن، ترتبط بتاريخ بدئي مقدس، تفسر أحداثه ظواهر الوجود كلها، وهي، كالأسطورة القديمة، ذات وظيفة نفسية وثقافية، تتداخل مع البني العقلانية، وتتفاعل معها لإنتاج الوجود التاريخي الفردي والجماعي.
ولا يشذّ الموروث العربي الإسلامي عن غيره في توليد الأساطير وابتكارها، ومهما قيل عن انعدام (الخيال الابتكاري) عند العرب، فإن الأساطير لازمة إنسانية ضرورية لتفسير مدهشات الكون وأعاجيبه، ولتقديم الإجابات المريحة لأسئلة الوجود المحيرة، مما يسهل علمية التعايش بين الإنسان والكون، ولهذا يرتبط فهم (الشخصية الثقافية) بتحليل التراث الأسطوري، وتفكيك أبنيته، وصولاً إلى معاينة أنماط التفكير المعاصر.
وإذا كانت الأساطير، على الرغم من بعدها الزمني، تتوهج بالمعاني، فتضيء دهاليز الحيرة والقلق، وتبعث السلوى والأمان، وهذه حقيقة إنسانية ترقى إلى بناء الشخصية وإقامة معالمها الوجودية، فإن سيطرة المعرفة الأسطورية على مستويات التفكير كلها، بحيث يتغلب (المخيال) على العقل، تنتج حضارة أسطورية، تعمي عن رؤية الواقع، وتعجز عن مقاربة مشاكله.
نحن، هنا، أمام سؤالين: سؤال تغييب الأسطورة الذي يؤدي إلى جهل معالم كثير من الشخصية، وسؤال تضخيم الأسطورة الذي يؤول إلى تضعيف العقل، فتنشأ القطيعة بين المؤمنين الذين يحيون في الوقائع المحددة بالزمان والمكان، ولا توجد (وسطية) بين الأسطوري والعقلاني، ولا تحل المشكلة بالتوفيق بين الاتجاهين ومحاولة الجمع بينهما، لأن في هذا خلطاً بين الواقع التاريخي والإبداع الأسطوري.
لذلك كان جهدنا مصوباً نحو قراءة الأسطورة، وتثوير دلالتها كما كانت من قبل، ثم إعلاء الحاجز الزماني بين الماضي والحاضر، والشعور بالقطيعة المعرفية بين زمن توليد الأسطورة وزمن قراءتها. فكان لا بد من رد الاعتبار لمصطلح (الأسطورة) أولاً، ذلك أن الفكر التقليدي يتجه مع لفظة (أسطورة) نحو الأكاذيب والأباطيل، في نزوع مهاجم لكل ما يتصل بالأساطير، ولما تحمله من تصورات، تخالف التصور الوحيد (الحق) الذي يراه، وقد تكفل بهذا المدخل (أساطير الأولين، المحمول الثقافي)، مع ملاحظة أن (قصص الأنبياء) هنا، تدل على نوع أدبي نشأ من خلال إعادة صياغة القصص القرآنية من قبل القصاص والمفسرين والمؤرخين، بحيث صارت له مبادئ وإجراءات، وهو مضمون القصص التي يوردها المفسرون في تفاسيرهم، أو في كتب مخصصة لذلك.
إن (قصص الأنبياء) معين تجمعت فيه أساطير متنوعة الأفكار، متعددة الأصول، اخترنا منها (قصة عاد)، وكان تحليل عناصر سردها منهجنا إلى رصد توظيفاتها الكثيرة، وإلى قراءة مرموزاتها، وهي متنوعة تنوع مراحل التراث. [من أساطير الأولين إلى قصص الأنبياء، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2006. ثم صدر كتاب مملكة الباري، السرد في قصص الأنبياء، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2008].
النقد الثقافي
النقد الثقافي يعني “التوسع في مجالات الاهتمام والتحليل للأنساق، إذ لم يعد الأدب بالمفهوم التقليديّ هو السائد غالباً في مجال الدِّراسة التحليلية والنقدية، وإنما غدا في بعض الدِّراسات المعاصرة جزءاً من كلّ أكبر وأوسع وأشمل، حتى سُمِّي الكلُّ الدِّراسات الثقافية”، الأدب بهذا المنظور صفحة من فكر الأمة التي تنتجه، على مستوى إنتاجه (إبداعه)، وعلى مستوى استهلاكه (قراءته)، واتبع ذلك تغيّراً في منهج تحليله، فصار المنهج يستخدم المعطيات النظرية والمنهجية المتبعة في الاجتماع والتاريخ والسياسة، مع الإبقاء على مناهج التحليل الأدبيّ والنقدي.
ونفهم أن مجال النقد الثقافي أوسع من مجال الأدب، و”النصّ الأدبيّ جزء من سياق تاريخيٍّ، يتفاعل مع مكونات الثقافة الأخرى، من مؤسسات ومعتقدات”، فماذا لو خرجنا من الأدب إلى مجاله الثقافي، ماذا لو سألنا “هل في الأدب شيء آخر غير الأدب؟”، بحركة تعتمد الأدب أساساً، لتشخيص الأنساق الثقافية التي ظهر الأدب فيها؟، ولاكتشاف الدلالات المضمرة في نصوصه؟.
سنحتاج أولاً إلى دلالة جديدة للأدب، تضم الأنواع المنسية، مثل قِصص الأنبياء، وقِصص الحيوان، وقِصص الأحلام، وحكايات ألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، وحكايات الجنس، وغيرها مما كان لا يدخل في تعريف الأدب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من الكتابات التي كانت لا تُصنّف تحت الأدب، يمكن أن تدخل فيه، إذا راعينا عنصر الإبداع الشخصيِّ في إنتاج الأدب، فإننا سنُدخل فيه كتب التاريخ القديم، مثل تاريخ اليعقوبيّ والطبريّ والمسعوديّ، فلا تبعد هذه الكُتُب في آليتها السردية، عن القصِّ كثيراً، فهي مجموعة من قِصص الأشخاص الذين يقومون بأفعال في زمان مضى عنا.
وعنوان تاريخ الطبريِّ “تاريخ الرُّسل والملوك” خير دليل على اهتمامه ببطولة الشخصية، فضلاً عن عنوان كتاب الذهبيّ “سير أعلام النبلاء”، كما لا تبعد عن هذا أيضاً كتب الجغرافيا، مثل كتاب ياقوت الحمويّ “معجم البلدان”، إذ هو يسرد قصة البلد، بدءاً من اسمه، وانتهاءً بصورته في زمان الكاتب أو قريباً منه.
لا نريد الإسهاب في تعداد ما يمكن أن ينضم إلى راية الأدب، من جموع النصّوص القديمة، إنما نريد العودة إلى الأدب نفسه، وعلاقته بالأنساق الثقافية، والأنساق الثقافية مواضعات اجتماعيّة أو دينية أو أخلاقية، مقبولة ضمنياً من قبل المؤلف والقارئ، وهي تتحكم في مضمون الأدب و شكله، كما تتدخل في نوعه ونمطه، وما ارتفاع منزلة الخطابة، وانحطاط قدر الشعر، في العصر الإسلامي مثلاً، إلا دليل على تأثير الأنساق الثقافية، فضلاً عن تقديس الكتابة في مجتمع شفاهيٍّ، مثل العصر الجاهلي، وسعي الأعاجم إلى حمل العلوم العربية، كالنحو والبلاغة وغيرهما، بعد أن سيِّطر العرب على مقاليد الحكم، وأبعدوهم عنها، وتهافت الملوك على مدح الشعراء، في مواجهة المعارضة الدينية والسِّياسية.
ولا تخرج العلاقة بين الأدب والسٍّياسة عن ذلك، كان الأدب يدل على التهذيب والخلق الحسن، ما دامت السٍّياسة ترتكز إلى الدٍّين، والحاكم يستمدُّ سلطته من السماء، وكانت أماثيل الحيوان والكُتُب القديمة التي احتوتها، مثل “كَليلَة ودِمنَة، وقِصص الأمير مرزبان”، و”فاكهة الخلفاء” تعزز هذا المفهوم، وتعمل على إشاعته بين الناس، وعندما تلاشى هذا الوهم، مع النهضة الحديثة، وصارت الشُّعوب تثور على حكّامها، تغيرت دلالة الأدب إلى فنٍّ، يعبر فيه الإنسان عن ذاته، وهو ما عبرت عنه قِصص الحيوان الحديثة، “القرود” و”الحيوانات” للصادق النيهوم، كما تغيّرت بنية هذه القِصص، فلم تتصدرها قصة إطارية، ولم يروها راوٍ مسمى، كما كان.
كشف النقد الثقافيّ العربيّ، أن في الأدب دلالات مضمرة، كانت تخفى على النقد الأدبيّ، وكتاب الغذامي جهد في هذا المجال، وقبله كان كتاب كيليطو، وبعده جاء كتاب نضال الشمالي، ليكتشف الوظيفة النسقية “لأسطورة الرجل الأبيض” و”لتشيئ المرأة أو تهميشها” في بعض الروايات التاريخية، ويفصح عن الدِّلالات المضمرة فيهما.
وقد مشينا على الخطى نفسها، إلا انها هذه المرة مع قِصص الحيوان التي أُنشئت لتعليم الآداب السٍّياسية، تعليم الملوك سياسة الرعية، وتعليم الرعية كيفية التعامل مع ملوكها، وقد واجهتنا مفارقة، وهي سعي الحكماء، وهم أدباء، إلى تأليف كتب، تثني الملوك، وهم مستبدون، عن طغيانهم، وتطلب إليهم العدل والرحمة بالرعية، ثُم يسعى الملوك من جانبهم إلى نشر الكُتُب، وهي تحتوي على ذكر استبدادهم؟، لماذا يسعى الملوك إلى ذلك؟، ولكن المفارقة تنتهي، حين نتصور الفائدة العظيمة من إشاعة الكتاب لطغيان الملك وتجبّره وعتوّه، بحيث يعمُّ الخوف والرهبة والخضوع، فضلاً عن ترسيخ مبدأ الحكم اللاهوتيِّ في نفوس الرعية، بحيث يغدو الخروج عن طاعة الملِك، ولو كان فاجراً، خروجاً عن الإرادة الإلهية.
كانت حركة العمل تبدأ بالنصّ الأدبيّ، بنقطة مختارة عشوائياً، وبعد تثبيتها ننتقل إلى ما حولها في النصّ، نلتقط السِّمات الأدبيّة، ثُم نخرج إلى السِّياق، بحثاً عن تداعياته، وهي مستويات، قد تكون تاريخية أو ثقافية، وهي لا شك، تعتمد على قاعدة اجتماعية، نشأ فيها النسق الثقافيُّ.
والتحوُّل من النقد الأدبيّ (الجماليِّ) إلى النقد الثقافيِّ، يجدّد دلالة الأدب نفسه، ثُم يحدّث فهمنا له، وهو بهذا يفتح آفاقاً كانت مغلقة، بسطوة الدِّلالة التأديبية القديمة له، أو بسلطة الملِك المطلقة عليه، نتمنى أن نكون قد حرّضنا على اكتشاف بعضٍ من المجهول، وهو كثير في التُّراث العربيّ، كما هو كثير في واقعنا المعاصر. [الملِك والأسد في النقد الثقافي، المركز الأكاديمي للأبحاث، كندا، 2018].
متخيل الغيب الإسلامي
الاستغراق في دراسة قصص الأنبياء، وهي تحتوي على تصور الوجود في الثقافة الإسلامية بين الغيب والشهادة من جهة، وتوزع الغيب على ثلاثة أنواع هي: غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل من جهة أخرى مع اعتماد هذا التصور في الكتابات المؤسسة للثقافة الإسلامية مثل كتاب ابن إسحاق (ت 150 هـ) وكتابات الطبري ( ت 310 هـ)، وعجائب الملكوت للكسائي (ت ق5 هـ) ثم تجلى ذلك في عنوان البداية والنهاية لابن كثير ( ت 774 هـ) الاستغراق أفضى إلى التأمُّل في صورة الغيب التي نحملها عنه بشكل عامٍّ، وفي كلِّ صورة من صُوَر محتوياته في ذاكرتنا بشكل خاصٍّ، وأفضى إلى فرضية أن الغيبَ متخيلٌ مقدس، من نتاج خيال الإنسان، وليس له حضور موضوعي خارجه، وهي فرضية جديدة في مسارات البحث الإسلامي التقليدي التي ترى أن الغيب معطى إلهي، ليس للإنسان دخل فيه.
لذلك رأينا الانطلاقَ من المتخيل بصفته لازماً لمقاربة الغيب، وذلك لتشكُّل عالم الغيب منه، ووجدنا في أبحاث القوة المتخيلة، وهي مقولة يونانية قديمة، إمكاناتٍ لتحليل منشأ الغيب في المتخيل الفردي والجمعي، فبرز الخيال وفعالياته في عملية التخيُّل، واستمداد الصور من الواقع وتحويلها إلى معرفة في مخزن الذاكرة، وظهر التمثيل وهو يحوّل المفاهيم والأفكار من عالم التجريد إلى عالم التجسُّد والظهور، والتمثيل أساس الهوية، وهكذا، كما يبدو، يسهم الغيب في تكوُّن هوية الجماعة، وهي تنشأ من خلال ما يعتقدون هم أنفسهم. [تقديس المتخيل، مدخل إلى دراسة ثقافية في الغيب الإسلامي، دار أبكالو، بغداد، 2020].
في الخاتمة أشير إلى أن تخصص اللغة العربية يمنح الباحث قاعدة ثقافية واسعة، فالنحو فكر، والأدب تجاربُ، والنقد ممارسة، والبلاغة صورة، والعروض موسيقى، فهل كانت مؤلفاتي السابقة تنويعاتٍ على تخصص اللغة العربية؟.
وأشير إلى أن طبيعة الفكر الإنساني عموماً تمتاز بالحركة والانتشار، فما دام الإنسان إنساناً، فهو يستطيع التفاعل مع المعطيات الإنسانية، ولا حدود على ذلك، وبين أيدينا أشكال المعيشة في بناء المدن والعمارات والبيوت، وأنواع الملابس وأنواع الطعام، وأنظمة التعليم وغيرها مما لم يعدْ سجين الإقليم أو اللغة.
ولكن هذه المعطيات الإنسانية لا بد لها من أن تتواءم مع ثقافة المجتمع، كي تحقق وظيفتها، ولنا مثال قديم من الثقافة اليونانية، فقد أفادت الثقافة العربية منها أشياء، ورفضت أشياء، ولنا اليوم أن نفيد من مناهج النقد الغربية، كما استفادت منها الدراسات العربية منذ زمن طه حسين، والسؤال اليوم هو: هل نستطيع مواكبة المنجز الغربي، وقد تشعبت مناهجه، وتداخلت مساراته، وتخصًّصت ممارساته؟. على هذا رهان الباحثين اليوم.



